من الطب إلى الإعلام، نجحت الإعلامية سهير القيسي في صنع اسمٍ كبير لها، مع رسالة انسانية بحتة مليئة بالحب والسلام، استطاعت معها أن تقطع شوطاً في العمل الإنساني والوقوف بجانب المنطقة في أحلك وأصعب الأوقات التي نعيشها اليوم…

من الطب إلى الإعلام، قد ينظر المجتمع إلى المجالين على أنهم متناقضين، ما الذي دفعك إلى اتخاذ هذه النقلة؟

الشغف الإعلامي رافقني منذ الطفولة، فمنذ أيامي الدراسية في المدرسة، طُلب مني العمل في برامج الأطفال الصيفية رغم صغر سني، وأحببت حينها التجربة ومنذ ذلك الوقت علمت أن هذا طريقي وهو الذي اختارني،  وبحسب المتعارف عليه فالأهل والمجتمع يوجهون الطالب المتفوق إلى الطب، وبالنسبة لي وجدت أن الطب مهنة سامية وانسانية، لذلك ترافق الأمران، الشغف الإعلامي والدراسة في مجال طب الأسنان، وسافرت وعملت لصالح مؤسسة ام بي سي، وكنت ما زلت أكمل مشوار تعلمي ودراستي في الطب إلى أن حصلت على الشهادة، وفي نفس الوقت كنت قد قطعت شوطاً كبيرا في الإعلام.. تطوري الإعلامي كان سريعا ومتتالياً، تعلقت به وشغفي كان طاغياً، الأمر الذي أبعدني عن مجال الطب.

ما دور المجتمع في اتخاذ قراراتك؟

لا يوجد دور لأي مجتمع في اتخاذ قراراتي، قراراتي شخصية حسب رؤيتي وشغفي ومقدرتي، وأنا أؤمن بأن الله منح كل شخص شعوراً وقوة ودليلاً حتى يختار ويقرر بطريقة صحيحة وهو ما نسميه الحدس أحياناً.

ما هي رسالتك كإعلامية وكيف تحاولين إيصالها؟

نعمة كبيرة من الله أن تُعرف وتصبح اسماً مؤثراً في مجتمعك، فأنت تستطيع في هذا الوقت أن ترفع قضايا نبيلة للمجتمع، ليعرفها عدد أكبر من الناس. ورسالتي اليوم هي انسانية بحتة مليئة بالحب والسلام. اليوم كما تعلمون استطعت أن أقطع شوطاً في العمل الإنساني والوقوف بجانب المنطقة في أحلك وأصعب الأوقات التي نعيشها اليوم. يسعدني أن أكون صوت من لا صوت له واعتبره شيئا جميلاً. هناك رسائل نبيلة من العمل الإعلامي إن تمكنت من تحقيقها، تصبح صاحب عمق وصاحب رسالة أكبر من مسألة التقديم فقط. فيهمني فعلاً أن أضع اسمي في هذه المرحلة لخدمة الإنسانية وخدمة بلدي ولأجمع أبناء بلدي وأبناء المنطقة على حب الوطن بعيداً عن الطائفية والتصنيف والمذهبية.

أنت عضوة وشريكة لبرنامج الأمم المتحدة العالمي للأغذية (WFP)، ما المسؤوليات التي تقع على عاتقك في هذا المنصب؟

بدأت شراكتي مع برنامج الأغذية العالمي حينما بدأت زياراتي للنازحين في المخيمات وكنت أول صحفية أزور النازحين في شتاء 2014 وكان أول مخيم أقوم بزيارته هو مخيم علياوة القريب من خط المواجهة مع داعش..وكوني شريكة في قائمة المشاهير في العالم اليوم فهذا يجعلني مسؤولة أكثر وتسمح لي هذه الشراكة بالوصول لمناطق صعبة وخطيرة مثلما فعلنا في آخر زيارة للجانب الغربي للموصل، حيث وصلنا لأماكن تدور بها المعارك، وقمنا بنقل معاناة الكثير من الأسر النازحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام ليسمعها الكثير ممن يستطيعون المشاركة والمساعدة. قمت بتصوير النازحين في أصعب رحلة وهي رحلة الفرار من الارهاب وكيف أنهم يمشون أياماً دون طعام أو ماء مع الاطفال والشيوخ على مرمى النيران والقناصة. على فكرة لا يقتصر الدعم على حشد الأمور المادية أو اسماع المجتمع الدولي ليساهم مادياً فقط، لكن تواجدي هدفه أن أعطي الإيمان للضعفاء وأعطيهم طاقة من الحب والاهتمام ليشعروا بأنهم ليسوا ضعفاء أو وحيدين.

ضمن سلسلة تجاربك في مجال الإعلام، أي منها كانت الخطوة الأهم في مجالك المهني؟

أستطيع أن أقول وأعتبر أنّه “سباق البرلمان” البرنامج الذي أطلقناه من بغداد عام 2010، والذي كان أول برنامج مناظرات في العالم العربي. كانت التركيبة السياسية في العراق، والتعددية الحزبية تسمح بإطلاق برنامج مناظرات في الوقت الذي كان به أغلب الدول تحكم بسياسة الحزب الواحد، لذلك نجحنا في إطلاق هذا البرنامج واستطاع الجمهور أن يتابعوا سياسيين من أحزاب مختلفة يتناظرون بشكل صريح ومباشر عبر هواء قناة العربية. وقد أفردت نيويورك تايمز مقالاً على البرنامج وحاز على اهتمام الصحف العالمية آنذاك.

تقطنين في دبي إحدى أكثر المدن رفاهية في العالم، إلا أن رسالتك هي لكل إنسان فقير ومحتاج، كيف تتفادين ازدواجية المعايير في نظرة المجتمع لك؟

تجربة العمل الانساني عميقة وتركت أثراً كبيراً في نفسي خاصة في السنتين الأخيرتين حيث قضيتهما في زيارات منتظمة إلى أشخاص فقدوا منازلهم ورفاهيتهم بيوم وليلة والتحفوا السماء وافترشوا الأرض بكل كرامة. أصبحت أحاسب نفسي على مستوى الرفاهية التي أعيش وأفكر بهم في كل لحظة ولكن مع مرور الوقت أيقنت أني يجب أن أكون بخير وأتواجد في بيئة إعلامية صحيحة كي يكبر اسمي شيئاً فشيئاً، ولو لم تتوفر لي هذه الحياة في دبي ولم يتوفر هذا العمل لما كنت قادرة على ايصال صوتهم.

لو سنحت لك الفرصة، ما الذي تودين تغييره في الإعلام العربي؟

اليوم عندما نتحدث عن الإعلام العربي هناك جزء مهم وهو الجزء التواصلي ومواقع التواصل والتي شئنا أم أبينا فهي توصل المعلومة وليس فقط الإعلام الكلاسيكي. وهنا وقعنا في مأزق لأن مواقع التواصل الاجتماعي لا تمثل الصحافة وهي لا تحوي عادة المعايير الصحيحة والسليمة لنقل المعلومة. فمن المفروض والواجب علينا أن نرتقي بالمستوى الإعلامي سواء التواصلي أو الكلاسيكي. وللأسف تخلل محتوى الإعلام لدينا غياب القدوة للفتيات أو للشباب، أصبحوا يقتدون بشخصيات ليسوا أهلاً لذلك تعطيهم دافعاً للاهتمام بالأمور والأخبار السطحية والتافهة والبعيدة عن واقعنا. لذلك يجب علينا أن نستخدم أساليب نتقرب من خلالها للشريحة الشابة لنرتقي بأفكارهم ونعطيهم من الحالة التنويرية ونركز على شخصيات وقدوات صاحبة مضمون ليست شكلاً فقط!

كيف تصفين وضع المرأة العربية؟ هل تؤمنين بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة؟      

أنا أؤمن بالعدالة وليس المساواة لأن امكانيات ووضع المرأة تختلف تماماً عن الرجل وهناك اختلافات نفسية وفسيولوجية، وروحية. لذلك على دعاة المساواة التفريق بين العدالة والمساواة. وبالنسبة لوضع المرأة العربية فهي تحتاج كل الدعم، لدينا بطلات من النساء اللواتي نزحن بعوائلهن وأطفالهن وتركن بيوتهن هرباً من بطش داعش، ورغم ذلك صامدات مبتسمات يحاربن حتى الآن أوضاعهنّ الصعبة بكل إرادة وتصميم. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون الذين يحتاجون كل الدعم وأن نسلط الضوء عليهم. أريد أن يعرف العالم قوة المرأة العراقية والسورية واليمنية والفلسطينية وغيرهن ممن صمدن في ظروف غير انسانية، وأوجّه شكراً خاصاً لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على اهتمامه بالإنسانية ومبادرة صناع الامل.

ما هو تحديك الأكبر الحالي في مجال الإعلام؟ وما هي التحديات التي كان عليك اجتيازها؟

التحدي هو غياب الدعم المادي للأفكار الخلاقة الفريدة والضخمة لأن الرعاة ودعمهم يتركز على السوشيل ميديا فقط.

إذا أردت أن تحادثي العراق، ماذا ستقولين له؟

أنا مثلك يا حبيبي قوية جميلة، ما غيّر الدخلاء من أخلاقي وأبقى مرفوعة الرأس مهما اشتدت الازمات.

أين ترين نفسك في المستقبل؟

أرى نفسي أمّاً سعيدة وسيدة أعمال والإعلام يبقى شغفي حتى النهاية.