من منا لم تستمتع بمذاق الأطعمة الشعبية التي تقدمها حافلات الطعام، سواء كان ذلك السموثي الأخضر على الفطور، العصير على مدى أيام الأسبوع أو حتى طبق من السلطة على الغداء؟! يدّعي أنصار الأطعمة النيئة، ممن يطلقون على أنفسهم محبي الطعام غير المطهو، بأنهم يمتلكون معدلاتٍ مرتفعة من الطاقة، بشرة أكثر صحة ومحيط خصر أقل حجماً. ومع ذلك، على الرغم من كون هذا الاتجاه عصري وصحي، ويؤيده العديد من المشاهير، إلا أن تناول الأطعمة النيئة قد يتعارض مع الصحة الجيدة مسبباً مجموعة من الآثار الضارة، وحتى الأطباء يتخذون موقفاً تحذيرياً من ذلك.

الأطعمة النيئة- ما هي؟

يعتمد مبدأ الحمية الغذائية بالأطعمة النيئة على تناول الأطعمة غير المطبوخة وغير المصنعة وبشكلٍ أساسي على المواد العضوية. تتمحور الفكرة حول تناول مأكولاتٍ نباتية غير معالجة في حالتها الطبيعية كالفواكه والخضروات النيئة، والمكسرات، والبذور، والحبوب الورقية والأعشاب البحرية- وتُستكمل مع البيض، واللحوم، الأسماك ومنتجات الألبان غير المبسترة- وجميعها بشكلٍ خام. من وجهة نظر مثالية، يعدّ هذا الطعام طازجاً ولكن يمكن تجفيفه بالحرارة المنخفضة (40 درجة مئوية كحدٍ أقصى) أو تخميره.

الحقيقة الصادمة

إدعاءات أنصار الحميات الغذائية النيئة عن الفوائد الغذائية الشاملة لهذه الحميات هو أمرٌ مبالغ به – الامتناع عن تناول الأطعمة المطهوة لا يفيدنا- بدلاً من ذلك، يقوم ببطء ولكن بشكل متواصل باستنزاف الجسم من العناصر الغذائية الأساسية من خلال الحد من تنوع المكونات الغذائية في نظامنا الغذائي. وعلى النقيض مما يفصح عنه أنصار الحميات الغذائية النيئة، تمتلك بعض الأطعمة خصائص مغذية أفضل بكثير عند طهوها وتساعدنا هذه العملية على هضمها دون صرف كميات هائلة من الطاقة.

نكشف هنا زيف بعض الأساطير المرتبطة بالأطعمة النيئة:

 الطهو يلغي العناصر الغذائية:

على العكس تماماً، يمكن للطهو أن يحرر المعادن والفيتامينات في الكثير من الأطعمة النيئة. هل حدد العلم موقفه من ذلك؟ حسناً، – تؤدي عملية تسخين الطعام حتى 70 درجة مئوية إلى انهيار الجدران الخلوية- لتتحرر العناصر الغذائية المفيدة التي لن تكون متاحة بسهولة في حالتها الخام. كما يمكن أيضاً أن تقلل من المواد الكيميائية في بعض الأطعمة، والتي من شأنها أن تمنع امتصاص المعادن بشكلها الخام. هناك فائدة أخرى وهي أن أجسامنا تمتص المركبات المضادة للسرطان كاللوتين والليكوبين بطريقة فعالة أكثر عند طهوها

 الطهو يدمر الأنزيمات:

نعم، هذا صحيح – لكن في سياقٍ مختلف. يدمر الحمض الموجود في المعدة معظم الأنزيمات النباتية الخام حتى قبل وصولها إلى الأمعاء الدقيقة، المكان الذي يتم امتصاص معظم المواد الغذائية فيه. لذلك، لا يوجد أي فائدة مرجوة! وبالإضافة إلى ذلك، نكوّن أنزيماتنا الهاضمة الخاصة التي تفرزها الغدد اللعابية، والمعدة، والبنكرياس والأمعاء الدقيقة والتي تعمل مجتمعةً للمساعدة في هضم الطعام.

معلومة هامة: الين واليانج

يعلم الصينيون بعض الحقائق الهامة عن جهازنا الهضمي المعقد؛ حيث ينصحون الأشخاص ممن يعانون من حرقة هضمية قوية بتناول الأطعمة النيئة ويصنفونها بقائمة الين أو الباردة. يضفي الطهو حرارةً إلى الأطعمة مما يجعلها يانج. في العالم الحديث، تتعرض أجسامنا للكثير من الين – الإجهاد، والمواد الكيماوية، والإشعاعات السامة والمعادن الثقيلة؛ وبإضافة المزيد من الين نجعل الأمر أكثر سوءاً من خلال عدم المحافظة على توازن أجسامنا مع مرور الوقت.

الأطعمة النيئة تساعد في تطهير الجسم من السموم:

لا توجد أطعمة / أعشاب قادرة على طرد السموم من الجسم بشكلٍ منفرد. في الحقيقة، تعدّ الخضروات المطهوة مصدراً عالي القلوية للجسم وتعمل على تخليص الأمعاء من السموم بطريقة آمنة وطبيعية.

طهو الطعام

هناك 3 أسباب رئيسية تشرح لماذا يعود طهو الطعام بالفائدة على الصحة:

حقيقة سريعة:

الزبدة ضرورية! نعم، إنها كذلك

استخدمي القليل من الزبدة مع الخضروات. لن تكسبها مذاقاً شهياً فقط، بل ستزيد الدهون الموجودة في الزبدة من امتصاص معادن الخضروات! خبر رائع، أليس كذلك!

يساعد عملية الهضم

لا يمكننا إنكار أهمية الطعام النيء كمصدر كبير للفيتامينات / المعادن ومضادات الأكسدة والألياف، ولكن للأسف لا تمتلك أجسامنا الأنزيمات اللازمة لكسر ألياف السيللوز في الخضروات. وهنا يأتي دور الطهو- يسهّل عملية الهضم بشكلٍ جيد من خلال تحويل الطعام إلى مواد غذائية مفيدة- يمكن أن ننظر إليه كعملية لازمة تسبق الهضم. هذا الأمر مفيد بشكلٍ خاص للأشخاص ممن يعانون من ضعفٍ في عملية الهضم أو اضطرابات صحية كالقولون العصبي، مع نظم ضعيفة جداً حتى لهضم الخضار النيئة. إذا كنتم من الأشخاص الذين يعانون من الانتفاخ، واضطرابات غير اعتيادية في الأمعاء أو آلام في البطن (جميع علامات الاضطرابات الهضمية) فإن إلغاء السلطات والفواكه من نظامكم الغذائي سيحدث فرقاً كبيراً.

يحسّن من سلامة الغذاء

بالإضافة إلى تعزيز القيمة الغذائية للطعام، يقوم الطهو بالتخلص من العوامل السلبية أيضاً كالبكتريا المسببة للأمراض والتي قد تكون مصدر العديد من الأمراض الحرجة كالالتهاب الرئوي والحالات المرتبطة بالمناعة الذاتية مثل الذئبة. في الواقع العملية منطقية- فكلما انخفضت درجة حرارة الطعام ازداد معدل نمو البكتريا وبالمقابل تحدّ عملية الطهو من البكتريا التي تنتقل بالطعام مما يجعلها وسيلة الدفاع الأفضل ضد الإشريكية القولونية والسالمونيلا- مفيد خصوصاً عندما تكون نظافة الطعام محط تساؤل.

يرفع معدل الأيض

تمتص أجسامنا الطعام المطهو بسهولة أكبر، ولذلك فإن للطهو تأثيراً ايجابياً على صافي الطاقة لدينا وبالتالي عملية الأيض. تمتلك بعض الأطعمة النيئة تأثيراً يحدّ من عملية الأيض، وأسوأها في ذلك الخضروات الكرنبية كالملفوف، والقرنبيط، واللفت، والسبانخ والقرنبيط الأخضر والتي تمتلك الميزات الخاصة بعمل الغدة الدرقية في حالتها الخام. في ظاهر الأمر، قد يحتوي كوب من سلطة السبانخ على 100 سعرة حرارية، ولكن يمكن أن يساهم ذلك في زيادة الوزن عن طريق تخريب عمل الغدة الدرقية!

نصائح حول تناول المواد النيئة

رغم ما سبق، لا يزال من المهم إدخال الأطعمة النيئة في النظام الغذائي اليومي. ما عليك إلا اتباع هذه النصائح الصارمة وستشكرك أمعاؤك بكل تأكيد:

امضغي الطعام جيداً: كما هو الحال مع جميع الأطعمة، من المهم حلّ الطعام – ولكن عندما يتعلق الأمر بالأطعمة النيئة، من المهم جداً أن تقومي بمضغها جيداً بما يقارب 50 مرة لملء الفم (نعم إنها الحقيقة). ذريعة جيدة لاستراحة غداء طويلة!

الأطعمة المطحونة هي الأفضل: يعدّ هضم الخضروات والفواكه أسهل بكثير عندما تكون سائلة. سيكون من المفيد أن تتناولي وجبة غنية بالمعادن كسموثي الخضروات النيئة المعدّ من الشوندر الأحمر مع القليل من الفجل، والجزر، والتفاح، والزنجبيل الطازج وملعقة صغيرة من العسل العضوي الخام للتحلية ورشة من القرفة.

تناولي الأطعمة المستنبتة: من المفيد إدخال بعض الخضروات المستنبتة في النظام الغذائي. تتضمن هذه الأطعمة عالية الفعالية مخلل الملفوف، والكيمتشي والمخللات المخمرة (غير المخللة) والتي تغذي أجسامنا بالبروبيوتيك (البكتريا الجيدة) التي تحفز الجهاز المناعي.

لا تتناولي الأطعمة النيئة بعد الساعة 4: هناك سبب وجيه وراء ذلك! إذا كنت من عشاق السلطات ولا تستطيعين التخلي عنها، فعلى الأقل، تناوليها في النهار عندما يكون الجهاز الهضمي في وضع العمل الكامل. يمكنك تناول مأكولات خفيفة على العشاء (مطهوة) لتخفيف العبء عن الجهاز الهضمي.

أطهو أم لا…تلك هي المسألة

التوازن هو العامل الأساسي في أي حمية غذائية صحية ومستدامة. ليس هناك من ضرر في إدخال بعض الأطعمة النيئة في النظام الغذائي – عليك فقط معرفة الأطعمة التي يفضل طهوها وتلك التي يُفضل تناولها نيئة:

ابقيها بعيدة عن الحرارة

حسناً، من الناحية التقنية، فالمواد الغذائية ذات المركبات الكيماوية النباتية في عدد قليل من الأنزيمات النباتية يمكن تدميرها عند الإفراط في الطهو. لذلك، ننصحك بعدم طهو هذه الخضروات:

الشوندر: يفقد القليل من حمض الفوليك عند طهوه، وهو مركب هام جداً للدماغ.

البصل: يقلل الطهو من محتوى البصل من الأليسين، وهي مادة غذائية مهمة.

القرنبيط الأخضر: تثبط الحرارة أنزيم التيروزين، وهو أنزيم ضروري لتطهير الكبدز

الفلفل الأحمر: يحافظ بقاءه بعيداً عن الحرارة على محتواه من فيتامين (ج)، الذي يتم تدميره عند 375 درجة مئوية.

الثوم: لا يستغرق الأمر سوى 60 ثانية من الطهو حتى يفقد محتواه من الأليسين، وهو مركب هام لحماية الحمض النووي.

الأطعمة المثالية للطهو

كلما زاد غنى الخضروات بالمواد المغذية، كلما زادت أهمية طهوها أو تخميرها. يقدم الطهو الكثير من الفوائد لهذه الأطعمة:

الهليون: تسخين هذه الخضار الخضراء يحرر خصائصها المقاومة للسرطان.

الفطر: تطلق عملية الطهو قوة البوتاسيوم في الفطر، وهي ضرورية لبناء العضلات.

السبانخ: مشوحة أو مطهوة على البخار، سيزيد ذلك من امتصاص المجنزيوم، والحديد والكالسيوم من هذه الأوراق الخضراء.

الطماطم: تنشط عملية الطهو تحرير الليكوبين، وهو صبغة طبيعية مضادة للسرطان.

الجزر: المشوي منه، وليس النيء، يعمل على إستعادة محتوى البيتا-كاروتين الذي تحوله أجسامنا إلى فيتامين (أ).

الكرفس: طهوه يدمر السورالين، وهي مركبات تزيد من حساسية البشرة لتأثيرات الأشعة فوق البنفسجية.

لذلك، في المرة القادمة التي تختارين فيها وجبة الغداء أو تبتاعين البقالة، يتوجب عليك التفكير أولاً في استبدال طبق السلطة بالحساء أو تناول الكيمتشي عوضاً عن اللفت.

ولا تنسي – الطاهي الذي يعدّ طعامك هو صديقك المفضل الجديد!

معلومة هامة:

قاعدة (البخار، الصلصة والتقليب)

هناك طريقة جيدة وأخرى سيئة لاستخراج أفضل المواد الغذائية من طهو الخضروات. إذا التزمت بقاعدة (البخار، والصلصة والتقليب) – عند حرارة 100 درجة مئوية، لن يتم تشكيل أكريلاميد سام. لذلك تجنبي شيّ الطعام أو قليه أو حتى الإفراط في طهوه أو تفحيمه لما لذلك من آثارٍ ضارة مضاعفة مرتبطة بالإلتهاب والسرطان. لا يعدّ الإفراط في السلق ضاراً، ولكن قد يفرّغ الخضروات من فوائدها الغذائية عن طريق الحد من محتواها من المغذيات.

نصيحة هامة:

معدلات السكر المرتفعة والمنخفضة

قبل تناول سموثي الفواكه أو الإنغماس بطبق سلطة الفواكه الطازجة، تذكري أن هناك كميات هائلة من الفركتوز في ما تسمينه وجبة خفيفة صحية في النهار – إنها تعزز مشاكل الخميرة والطفيليات أيضاً.